فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

فصاروا ضاربين ، بل صاروا ضاربين لاجتماعهم في الفعل ولهذا ورد الجمع على اللفظ بعد ورود التأنيث عليه فقيل : ضاربة وضاربات ولم يجمع اللفظ أولاً لأنثى ولا لذكر ، ولهذا لم يحسن أن يقال : ضرب هند ، وحسن بالإجماع ضرب قوم والمسلمون . المسألة الثانية : لما قال تعالى : * ( كذبت ) * ما الفائدة في قوله تعالى : * ( فكذبوا عبدنا ) * ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : أن قوله : * ( كذبت قبلهم قوم نوح ) * أي بآياتنا وآية الانشقاق فكذبوا الثاني كذبت قوم نوح الرسل وقالوا : لم يبعث الله رسولاً وكذبوهم في التوحيد : فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره وذلك لأن قوم نوح مشركون يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب كل رسول وينكر الرسالة لأنه يقول : لا تعلق لله بالعالم السفلي وإنما أمره إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيب فكذبوا الثالث : قوله تعالى : * ( فكذبوا عبدنا ) * للتصديق والرد عليهم تقديره : * ( كذبت قوم نوح ) * وكان تكذيبهم عبدنا أي لم يكن تكذيباً بحق كما يقول القائل : كذبني فكذب صادقاً . المسألة الثالثة : كثيراً ما يخص الله الصالحين بالإضافة إلى نفسه كما في قوله تعالى : * ( إن عبادي ) * ( الحجر : 42 ) * ( يا عبادي ) * ( العنكبوت : 56 ) * ( أذكر عبدنا ) * ( ص : 170 ) * ( إنه من عبادنا ) * ( يوسف : 24 ) وكل واحد عبده فما السر فيه ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : ما قيل : في المشهور أن الإضافة إليه تشريف منه فمن خصصه بكونه عبده شرف وهذا كقوله تعالى : * ( أن طهرا بيتي ) * ( البقرة : 125 ) وقوله تعالى : * ( ناقة الله ) * ( الأعراف : 73 ) الثاني : المراد من عبدنا أي الذي عبدنا فالكل عباد لأنهم مخلوقون للعبادة لقوله : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) لكن منهم من عبد فحقق المقصود فصار عبده ، ويؤيد هذا قوله تعالى : * ( كونوا عباداً لي ) * ( آل عمران : 79 ) أي حققوا المقصود الثالث : الإضافة تفيد الحصر فمعنى عبدنا هو الذي لم يقل : بمعبود سوانا ، ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهاً فالعبد المضاف هو الذي بكليته في كل وقت لله فأكله وشربه وجميع أموره لوجه الله تعالى وقليل ما هم . المسألة الرابعة : ما الفائدة في اختيار لفظ العبد مع أنه لو قال رسولنا لكان أدل على قبح فعلهم ؟ نقول : قوله عبدنا أدل على صدقه وقبح تكذيبهم من قوله رسولنا لو قاله لأن العبد أقل تحريفاً لكلام السيد من الرسول ، فيكون كقوله تعالى : * ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين ) * ( الحاقة : 44 - 46 ) . المسألة الخامسة : قوله تعالى * ( وقالوا مجنون ) * إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا منه ، وقالوا : هو مصاب الجن أو هو لزيادة بيان قبح صنعهم حيث لم يقنعوا بقولهم إنهم كاذب ، بل قالوا مجنون ، أي يقول مالا يقبله عاقل ، والكاذب العاقل يقول ما يظن به أنه صادق فقالوا : مجنون أي يقول ما لم يقل به عاقل فبين مبالغتهم في التكذيب . المسألة السادسة : * ( وازدجر ) * إخبار من الله تعالى أو حكاية قولهم ، نقول : فيه خلاف منهم من قال : إخبار من الله تعالى وهو عطف على كذبوا ، وقالوا : أي هم كذبوا وهو ازدجر أي أوذي وزجر ، وهو كقوله تعالى : * ( كذبوا وأوذوا ) * ( الأنعام : 34 ) وعلى هذا إن قيل : لو قال كذبوا عبدنا وزجروه